
962 الإخباري- في كل استحقاق يتعلق برئاسة مجلس النواب، لا ينبغي أن ينحصر السؤال في اسم من سيتولى المنصب، وإنما في الشخصية التي تستطيع أن تقود المجلس في مرحلة تحتاج فيها المؤسسة التشريعية إلى حضور أكبر وفاعلية أوضح وتأثير أكثر ارتباطاً بقضايا الدولة والمواطن. فالتجارب النيابية السابقة تركت لدى قطاعات من الشارع انطباعاً بأن أداء المجلس لم يكن دائماً بمستوى التطلعات، وأن الحضور السياسي والتشريعي والرقابي كان في بعض المراحل أقل من الدور الذي يفترض أن تضطلع به مؤسسة دستورية تمثل الأردنيين.
ومن هنا، فإن الحديث عن رئاسة المجلس المقبلة ينبغي أن يكون حديثاً عن المواصفات قبل الأسماء، وعن القدرة على القيادة قبل الموقع، وعن الأثر الذي يمكن أن تتركه الرئاسة في أداء المؤسسة. وفي هذا السياق، يبرز اسم الدكتور نمر السليحات كأحد الأسماء التي تستحق أن تكون حاضرة في النقاش، ليس باعتباره خياراً محسومًا أو نتيجة مقررة، وإنما بالنظر إلى ما يمتلكه من خلفية أكاديمية وتجربة نيابية وخبرة في الملفات المالية والرقابية.
السليحات أكاديمي ونائب، ويترأس اللجنة المالية النيابية، وهي من أكثر اللجان ارتباطاً بالملفات الأساسية في عمل الدولة، من الموازنة العامة والمال العام إلى تقارير ديوان المحاسبة ومتابعة أداء المؤسسات الحكومية. كما امتدت تجربته إلى العمل البرلماني العربي من خلال رئاسته للجنة الشؤون المالية والاقتصادية في الاتحاد البرلماني العربي، وهو ما أضاف إلى تجربته بعداً يتجاوز العمل النيابي الداخلي.
هذه المعطيات لا تعني بالضرورة أن رئاسة المجلس ينبغي أن تذهب إلى السليحات، ولا أن تجربته وحدها تكفي للحكم على قدرته على قيادة المجلس. فرئاسة مجلس النواب تختلف بطبيعتها عن رئاسة لجنة متخصصة، لأنها تتطلب إدارة مؤسسة تضم آراء واتجاهات متعددة، وتحتاج إلى شخصية قادرة على إدارة الاختلاف، وبناء التوافق، وحماية حق النواب في الرقابة والتشريع، وفي الوقت نفسه الحفاظ على علاقة مؤسسية متوازنة مع الحكومة ومختلف مؤسسات الدولة.
وهنا تحديداً يصبح النقاش أكثر جدية؛ فالمطلوب في المرحلة المقبلة ليس رئيساً يكتفي بإدارة الجلسات، وإنما رئيس يستطيع أن يمنح المجلس حضوراً سياسياً ومؤسسياً واضحاً، وأن يدفع باتجاه تشريع أكثر فاعلية ورقابة أكثر تأثيراً، وأن يجعل من المجلس مساحة حقيقية للنقاش الوطني وصناعة السياسات، لا مجرد محطة لإعلان المواقف.
لقد شعر الأردنيون في مراحل سابقة بأن مجلس النواب لم يكن دائماً حاضراً بالقدر الكافي في المشهد السياسي، وأن بعض الملفات الوطنية كانت تحتاج إلى موقف برلماني أكثر وضوحاً وتقدماً. وهذه الملاحظة، سواء اتفق معها الجميع أو اختلفوا حولها، تفرض على أي نقاش حول الرئاسة المقبلة أن يركز على استعادة ثقة المواطن بدور المجلس ومكانته، وعلى أن تكون هناك نتائج ملموسة للعمل النيابي لا مجرد نشاط شكلي.
ومن هذه الزاوية، فإن خبرة السليحات في الملفات المالية والرقابية يمكن أن تشكل أساساً مهماً، لكنها تحتاج إلى أن تقترن بقدرة على إدارة المجلس بمختلف مكوناته، وعلى تحويل الخبرة الفنية إلى قيادة سياسية برلمانية متوازنة. فالقوة الحقيقية لرئيس المجلس لا تقاس فقط بقدرته على إدارة الجلسة، وإنما بقدرته على إدارة المؤسسة، وعلى الاستماع إلى مختلف الآراء، وعلى حماية مساحة الاختلاف داخل الإطار الدستوري، وعلى بناء توافقات تسمح للمجلس بأن يتحرك إلى الأمام.
ولذلك، فإن طرح اسم الدكتور نمر السليحات لرئاسة مجلس النواب يمكن أن يُقرأ باعتباره نقاشاً حول نموذج القيادة التي يحتاجها المجلس، وليس مجرد ترشيح شخصي. فالأردن يحتاج إلى مجلس يتمتع بالمصداقية والحضور والقدرة على المبادرة، ويحتاج إلى رئيس يستطيع أن يوازن بين قوة الموقف وهدوء الإدارة، وبين استقلالية المجلس والتعاون المؤسسي مع الحكومة، وبين متطلبات الرقابة وحاجة الدولة إلى الاستقرار والعمل المشترك.
وفي النهاية، فإن القرار سيبقى للنواب وللاستحقاق الدستوري والانتخابي، كما أن طرح السليحات لا يلغي وجود أسماء أخرى قد تمتلك خبرات ومؤهلات مختلفة. لكن من حق الرأي العام أن يناقش بهدوء مواصفات الرئيس الذي يحتاجه مجلس النواب المقبل، وأن يسأل عن القدرة على إعادة المجلس إلى موقع أكثر فاعلية في الحياة السياسية.
ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي ليس فقط من سيكون رئيس مجلس النواب القادم، وإنما من يستطيع أن يقود المجلس بطريقة تعيد إليه المصداقية، وتعزز حضوره، وتجعله أكثر قدرة على التشريع والرقابة والتفاعل مع قضايا الوطن والمواطن؟
في هذا الإطار، يبقى الدكتور نمر السليحات اسماً قابلاً للنقاش، بما يحمله من تجربة أكاديمية ونيابية ومالية ورقابية، ويبقى الحكم النهائي على مدى ملاءمته للموقع رهناً بالاستحقاق الانتخابي وبقدرة أي مرشح على إقناع النواب بأنه قادر على قيادة المجلس بمسؤولية وجمع مختلف مكوناته.
فالمرحلة المقبلة لا تحتاج إلى مجرد رئيس لمجلس النواب، وإنما إلى قيادة قادرة على أن تجعل من مجلس النواب مؤسسة حاضرة وفاعلة ومؤثرة في المشهد الوطني.






