
زين محمد الخريشا
962 الإخباري – العقبة | 18 أيلول 2026
لا تبدو العقبة في هذه الأيام كمدينة تستقبل الزوار فقط، بل كمدينة تتحرك فيها عجلة اقتصادية كاملة مع كل موجة سياحية جديدة. فمع تجاوز نسبة إشغال فنادقها 93% خلال الفترة الممتدة من 17 إلى 19 أيلول الحالي، يعود الحديث مجددًا عن قدرة السياحة على لعب دور يتجاوز إشغال الغرف الفندقية إلى تحريك قطاعات واسعة داخل الاقتصاد المحلي.
وبحسب بيانات أعلنتها سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة، بلغت نسبة إشغال فنادق الخمس نجوم 97%، فيما وصلت إلى 90% في فنادق الأربع نجوم و93% في فنادق الثلاث نجوم، في أرقام تعكس ارتفاع الطلب على الإقامة في المدينة خلال عطلة نهاية الأسبوع.
لكن قراءة الرقم وحده لا تكفي لفهم الصورة. فكل غرفة فندقية مشغولة تعني في العادة زائرًا يحتاج إلى التنقل، ويتناول الطعام، ويزور المواقع السياحية، ويبحث عن الأنشطة الترفيهية والبحرية، وقد يتجه إلى الأسواق والمحال التجارية. ومن هنا تبدأ القصة الاقتصادية الحقيقية.
ما وراء نسبة الـ93%
عندما ترتفع نسب الإشغال الفندقي، فإن التأثير لا يبقى محصورًا في الفنادق. الحركة تنتقل إلى المطاعم والمقاهي ووسائل النقل والمحال التجارية ومقدمي الأنشطة السياحية، وتزداد الحاجة إلى الخدمات المرتبطة بالزوار.
وهذا ما يجعل السياحة قطاعًا مختلفًا عن كثير من الأنشطة الاقتصادية، إذ يمكن لإنفاق زائر واحد أن يتحرك عبر أكثر من قطاع خلال فترة إقامته. وكلما طالت إقامة الزائر وارتفع إنفاقه، اتسعت دائرة المستفيدين من الحركة السياحية.
ومن هذه الزاوية، فإن وصول الإشغال في العقبة إلى أكثر من 93% خلال فترة محددة يمثل مؤشرًا على قوة الطلب، لكنه يفتح في الوقت نفسه نقاشًا أوسع حول كيفية تحويل هذا الطلب إلى نشاط اقتصادي مستمر.
الفعاليات تحرك المدينة
ارتفاع الإشغال الحالي يأتي بالتزامن مع تنامي الفعاليات السياحية والترفيهية في العقبة، وهي فعاليات أصبحت جزءًا مهمًا من محاولة تنشيط المدينة واستقطاب الزوار.
فالزائر لم يعد يبحث بالضرورة عن مكان للإقامة فقط، بل عن تجربة متكاملة. البحر والمناخ والمرافق السياحية تشكل جزءًا من هذه التجربة، فيما تضيف الفعاليات والأنشطة الثقافية والترفيهية سببًا إضافيًا للزيارة أو تمديد الإقامة.
ولهذا يمكن للفعاليات أن تؤدي دورًا اقتصاديًا يتجاوز لحظة إقامة الحدث نفسه، عندما تنعكس على الحجوزات والمطاعم والنقل والأسواق والأنشطة السياحية.
والتحدي هنا لا يتعلق فقط بعدد الفعاليات، وإنما بقدرتها على جذب الزوار في أوقات مختلفة من العام، بما يساعد على تقليل الاعتماد على المواسم والعطل التي تشهد بطبيعتها ارتفاعًا في الطلب.
العقبة في قلب المشهد السياحي الأردني
ويأتي هذا النشاط في العقبة ضمن حركة سياحية أوسع يشهدها الأردن خلال العام الحالي. فقد بلغت إيرادات السياحة في المملكة نحو 2.47 مليار دينار خلال النصف الأول من عام 2026، فيما وصل عدد الزوار إلى نحو 3.15 مليون زائر، وفق بيانات منشورة حول أداء القطاع السياحي.
وتعكس هذه الأرقام أهمية السياحة بالنسبة للاقتصاد الأردني، كما تبرز الفرصة المتاحة أمام المدن السياحية لاستقطاب حصة أكبر من حركة الزوار والإنفاق.
وتتمتع العقبة بمقومات تجعلها مختلفة عن وجهات سياحية أخرى في المملكة، فهي تجمع بين السياحة البحرية والفندقية والترفيهية، إضافة إلى موقعها ودورها الاقتصادي، ما يمنحها مساحة واسعة لتطوير المنتج السياحي واستهداف أسواق جديدة.
الطيران يفتح الطريق أمام أسواق جديدة
وفي الوقت الذي تحاول فيه العقبة تعزيز مكانتها السياحية، يأتي تحسين الربط الجوي مع الأسواق الإقليمية كأحد العوامل المهمة في زيادة تدفق الزوار.
وفي هذا السياق، تعمل سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة والملكية الأردنية على تعزيز الربط المباشر بين العقبة والرياض، ضمن جهود تستهدف زيادة الحركة السياحية والتجارية وفتح المجال أمام وصول زوار من أسواق إقليمية جديدة.
ولا يتعلق الأمر بالرحلات الجوية وحدها، فكل خط مباشر جديد يمكن أن يمنح الوجهة السياحية فرصة للوصول إلى جمهور أوسع، ويجعل زيارة العقبة أكثر سهولة بالنسبة للزائر الذي قد يتردد في اختيار وجهة تتطلب وقتًا أطول أو إجراءات نقل إضافية.
ومن هنا، يصبح الربط الجوي جزءًا من المعادلة الاقتصادية للسياحة، إلى جانب الفنادق والفعاليات والخدمات.
السؤال الأصعب يبدأ بعد امتلاء الفنادق
قد يبدو تجاوز الإشغال حاجز 90% خبرًا كافيًا للاحتفال بنشاط القطاع السياحي، لكن القراءة الاقتصادية الأوسع تطرح سؤالًا مختلفًا: ماذا يحدث بعد امتلاء الفنادق؟
فارتفاع الإشغال خلال عطلة نهاية أسبوع لا يعني بالضرورة أن النشاط سيبقى بالمستوى نفسه طوال العام. ولهذا فإن التحدي الحقيقي أمام العقبة يتمثل في تحويل الطلب الموسمي إلى حركة أكثر استقرارًا، عبر تنويع المنتج السياحي واستمرار الفعاليات وتحسين الربط الجوي والوصول إلى أسواق جديدة.
كما أن نجاح السياحة لا يقاس فقط بعدد الزوار أو الغرف التي جرى حجزها. فهناك أسئلة أخرى لا تقل أهمية، من بينها مدة إقامة الزائر، وحجم إنفاقه، ومدى استفادة المنشآت الصغيرة والمتوسطة من هذا الإنفاق، وما إذا كانت الحركة السياحية تصل فعلًا إلى مختلف القطاعات الاقتصادية في المدينة.
الـ93% ليست القصة كاملة
نسبة الإشغال المرتفعة في فنادق العقبة تعطي مؤشرًا واضحًا على قوة الحركة السياحية خلال الفترة الحالية، لكنها في الوقت نفسه تمثل بداية لسؤال اقتصادي أكبر.
فالقيمة الحقيقية لا تكمن فقط في أن تكون الغرف ممتلئة، وإنما في أن تتحول هذه الغرف إلى حركة تمتد خارج الفندق، وأن يستفيد منها المطعم والسائق وصاحب المتجر ومقدم النشاط السياحي والعامل في مختلف الخدمات المرتبطة بالزائر.
العقبة تمتلك اليوم فرصة للاستفادة من هذا الزخم، لكن الحفاظ عليه يحتاج إلى أكثر من ارتفاع مؤقت في نسب الإشغال. المطلوب هو بناء تجربة سياحية تجعل الزائر يرغب في القدوم، والبقاء مدة أطول، والإنفاق في قطاعات متعددة، والعودة مرة أخرى.
وفي النهاية، قد يكون الرقم الأكثر تداولًا هو 93%، لكن الرقم الذي يستحق المتابعة هو حجم النشاط الاقتصادي الذي يمكن أن يتولد خلف هذه النسبة، ومدى قدرة العقبة على تحويل زخم السياحة من مشهد موسمي إلى حركة مستدامة تدعم الاقتصاد المحلي والوطني.






