
962الاخباري_ لماذا نبحث دائماً عن أسباب الطلاق وانهيار العائلة من خلال الأبحاث والتقارير، وكأننا أمام لغز يحتاج إلى سنوات حتى نكتشفه، بينما هناك عوامل واضحة أمامنا لا يمكن تجاهلها، وفي مقدمتها الوضع الاقتصادي والاجتماعي الذي تعيشه الأسرة؟
أنا لا أقول إن الاقتصاد سبب كل حالات الطلاق، ولا أن الحكومة مسؤولة عن كل خلاف بين الزوج وزوجته، فالزواج مسؤولية، والحوار والتفاهم وحسن إدارة الأسرة مسؤولية الزوجين أيضاً. لكن من غير المنطقي أن نتعامل مع الطلاق وكأنه مشكلة داخل البيت فقط، وننسى الظروف التي تحاصر هذا البيت من الخارج.
عندما يكون دخل رب الأسرة محدوداً، بينما ترتفع كلفة السكن والتعليم والعلاج والمواصلات، وتلتهم القروض والفواتير جزءاً كبيراً من الراتب، فإن المشكلة لا تبقى مالية فقط. هذا الضغط يدخل إلى البيت، ويؤثر في نفسية الزوج والزوجة، ويزيد العصبية والخلافات، ويقلل قدرة الطرفين على التحمل.
قد يبدأ الخلاف بقسط أو فاتورة أو رسوم مدرسة، ثم تتراكم الضغوط شهراً بعد شهر، فيتحول الضغط المالي إلى خلاف، والخلاف إلى خصام، ومع استمرار ذلك قد تتآكل العلاقة وتصل في بعض الحالات إلى الطلاق.
لذلك عندما تقول لنا دراسة إن المشاكل المالية من أسباب الطلاق، يجب ألا نتوقف عند النتيجة فقط، بل نسأل: لماذا أصبحت كلفة الحياة أكبر من قدرة الأسرة؟ ولماذا أصبح راتب المواطن لا يكفي احتياجاته الأساسية؟
هنا يأتي دور الحكومة. فهي ليست مسؤولة عن قرار الطلاق نفسه، لكنها مسؤولة عن جزء من البيئة الاقتصادية والاجتماعية التي يعيش فيها المواطن. السياسات الاقتصادية، وفرص العمل، ومستوى الدخل، وكلفة الخدمات والتعليم والسكن، كلها عوامل يمكن أن تخفف الضغط عن الأسرة أو تزيده. وسوء الإدارة والترهل الاقتصادي لا يؤثران فقط في أرقام الموازنة، بل قد يصل أثرهما إلى حياة الناس واستقرار أسرهم.
وفي المقابل، لا يجوز أن نحمّل الحكومة كل شيء. هناك أسر تعيش ظروفاً اقتصادية صعبة وتحافظ على تماسكها، وهناك حالات طلاق أسبابها نفسية أو اجتماعية أو شخصية. كما أن الأسرة مسؤولة عن إدارة دخلها، وعن قراراتها، وعن طريقة تعامل الزوجين مع الأزمات.
المطلوب إذن ألا نبحث عن شماعة نعلّق عليها الطلاق، بل أن نقرأ الصورة كاملة. الأسرة تحتاج إلى وعي وحوار ومسؤولية، لكنها تحتاج أيضاً إلى بيئة اقتصادية تساعدها على الاستقرار.
فإذا أردنا أن نعالج الطلاق، لا يكفي أن نقول للزوج والزوجة: تحاورا واصبرا وتحملا. علينا أيضاً أن نسأل: هل أعطينا هذه الأسرة الظروف التي تساعدها على الاستقرار؟
فالطلاق قد يكون أحياناً آخر حلقة في سلسلة بدأت بضيق اقتصادي، ثم تحولت إلى ضغط نفسي، ثم إلى خلافات زوجية، وانتهت بانهيار الأسرة؛ فإذا أردنا أسرة مستقرة، فعلينا أن نحاسب الأسرة على قراراتها، ونحاسب السياسات على آثارها، لأن بيتاً ينهار تحت ضغط المعيشة ليس مجرد قصة طلاق، بل إنذار اجتماعي يجب أن تتوقف الدولة عنده
د . ثامر العبادي






