
رئيس التحرير: خالد خطار
962-الاخباري في الثنية بالكرك، لا تبدأ الحكاية من مكتب مسؤول ولا من ورقة تحمل رقم كتاب، وإنما تبدأ من الشارع… من رائحة تفرض نفسها على المكان، ومن مواطن يريد أن يعيش في بيئة نظيفة، ومن عائلة لا تريد أكثر من خدمات أساسية يفترض أن تكون حقًا طبيعيًا لا مطلبًا استثنائيًا.
المشهد الذي يصفه أبناء المنطقة يفتح ملفًا لا يجوز التعامل معه باعتباره مجرد شكوى خدمية عابرة. فالصرف الصحي والروائح الكريهة ومظاهر التلوث، إلى جانب الأسئلة المتعلقة بالمياه وإيصال الخدمات، كلها تفاصيل تمس حياة المواطن اليومية، وتضع الجهات المسؤولة أمام مسؤولية لا يمكن تأجيلها إلى ما لا نهاية.
والسؤال هنا ليس من باب المزايدة على أحد، وإنما من باب حق الناس في معرفة ما يجري: كيف يمكن أن تبقى منطقة مأهولة بالسكان تعاني من مشاكل مرتبطة بالصرف الصحي والخدمات الأساسية، بينما نتحدث في الوقت نفسه عن خطط ومشاريع لتطوير البنية التحتية؟
المواطن في الثنية لا يعيش داخل الخطط، ولا يستطيع أن يتنفس من البيانات الرسمية، ولا يستطيع أن يضع موعدًا افتراضيًا على نافذته وينتظر أن تختفي الرائحة.
هو يريد أن يعرف متى ستنتهي المشكلة.
وزارة المياه والري أعلنت أن مشروع صرف صحي الكرك يشمل مناطق الثنية والمرج ومنشية أبو حمور، وأن هناك مشروعًا لمحطة رفع في الثنية ضمن منظومة الصرف الصحي، مع إجراءات مرتبطة بطرح العطاء والبدء بالتنفيذ. وهذه خطوة تستحق أن تُقرأ بإيجابية، لأن وجود مشروع واضح يعني أن المشكلة أصبحت على أجندة المعالجة.
لكن بين أن تكون المشكلة على أجندة الوزارة، وبين أن تنتهي المشكلة في شارع المواطن، مسافة يجب ألا تطول.
فالمواطن لا يسأل عن حجم المشروع ولا عن عدد صفحات الدراسات الفنية، بقدر ما يسأل سؤالًا بسيطًا جدًا: متى ستصل الخدمة إلى منزلي؟
وهنا تتسع دائرة الأسئلة لتشمل المياه أيضًا.
أين وصلت مشاريع إيصال المياه والخدمات الأساسية إلى مناطق الثنية؟ وهل تتناسب البنية التحتية الموجودة مع التوسع السكاني والعمراني الذي شهدته المنطقة؟ وهل هناك جدول واضح لاستكمال الخدمات في المناطق التي ما زالت بحاجة إليها؟
هذه الأسئلة ليست ترفًا إعلاميًا، ولا محاولة لصناعة أزمة.
إنها أسئلة طبيعية جدًا من مواطن يرى أن الدولة مطالبة بأن تكون موجودة في التفاصيل اليومية لحياته، لا فقط في المشاريع الكبرى التي تُعلن على مستوى المحافظات.
فالتنمية لا تبدأ من المشاريع الضخمة وحدها.
التنمية تبدأ عندما يستطيع المواطن أن يفتح نافذته دون أن تؤذيه رائحة الصرف الصحي، وأن يسير في منطقته دون أن يقلق من مظاهر التلوث، وأن يحصل على المياه والخدمات الأساسية بطريقة تحفظ له كرامته.
والأصعب من المشكلة نفسها أن يعتاد الناس عليها.
عندما تصبح الرائحة جزءًا من الحياة اليومية، وعندما يتوقف المواطن عن السؤال لأنه سأل كثيرًا، وعندما تتحول المشكلة من حالة طارئة إلى أمر اعتاد عليه السكان، فهنا تصبح القضية أخطر من مجرد خلل في شبكة أو تأخر في مشروع.
هنا تصبح القضية مرتبطة بثقة المواطن بالخدمة العامة.
ولهذا فإن المطلوب من وزارة المياه والري وسلطة المياه والجهات المحلية في الكرك ليس فقط معالجة المشكلة عندما تصل إلى مرحلة حرجة، وإنما تقديم صورة واضحة لأبناء الثنية عن مراحل الحل، وما تم إنجازه، وما تبقى، ومتى يمكن أن يلمس المواطن النتيجة على الأرض.
وإذا كانت هناك عوائق فليتم الإعلان عنها بوضوح.
وإذا كان هناك تأخير فليُشرح سببه.
وإذا كانت الأعمال ستبدأ في موعد محدد، فليعرف الناس هذا الموعد.
وإذا كانت هناك حلول مؤقتة إلى حين إنجاز المشروع، فليكن واضحًا من يتابعها ومن يضمن عدم تحولها إلى بديل دائم عن الحل الجذري.
فالناس لا تريد خصومة مع وزارة المياه، ولا تريد معركة مع أي مؤسسة.
بل تريد شيئًا أبسط بكثير: أن تعمل المؤسسات كما يجب.
والصحافة عندما تطرح هذه الأسئلة لا تفعل ذلك لتسجيل موقف ضد مسؤول أو مؤسسة، وإنما لتقول إن المواطن في الثنية يستحق أن يسمع إجابة واضحة.
الثنية ليست منطقة خارج حسابات الدولة، وأهلها ليسوا مواطنين من درجة ثانية.
وإذا كانت الدولة تتحدث عن تحسين الخدمات وتطوير المحافظات وتعزيز التنمية، فإن أبسط اختبار لهذه الشعارات هو أن تصل المياه، وأن تُعالج مشكلة الصرف الصحي، وأن تختفي الروائح، وأن تصبح البيئة المحيطة بالناس أكثر أمانًا ونظافة.
لا نريد صورًا جديدة.
ولا نريد لجانًا جديدة.
ولا نريد وعودًا مفتوحة.
نريد أن نرى العمل في الشارع.
نريد أن يعرف المواطن من المسؤول عن الملف، وما هو موعد الإنجاز، وماذا سيحدث إذا تأخر التنفيذ.
وفي النهاية، هناك سؤال واحد يجب أن يبقى حاضرًا أمام كل الجهات المعنية:
هل من المقبول في عام 2026 أن يبقى المواطن في منطقة مأهولة مثل الثنية يسأل عن الصرف الصحي والمياه وإيصال الخدمات، بينما يفترض أن تكون هذه الخدمات من أبسط مقومات الحياة؟
إذا كانت الإجابة لا، فإن المطلوب ليس المزيد من الكلام.
المطلوب أن تنتهي الرائحة… وأن تصل الخدمة… وأن يشعر المواطن أخيرًا أن ما يقال في المكاتب أصبح حقيقة في الشارع.







