
رئيس التحرير خالد خطار
962الاخباري_ في الدول التي تسعى إلى بناء اقتصاد قوي وجذب الاستثمارات، تُعد الجهات الرقابية شريكاً في التنمية، لا عائقاً أمامها. فالرقابة وجدت لحماية السوق وتطبيق القانون، لا لإدارة الشركات أو تعطيل أعمالها أو تقييد قراراتها المشروعة.
ومن هذا المنطلق، يثور تساؤل مشروع يردده عدد كبير من المستثمرين والمحامين ورواد الأعمال في الأردن: هل ما تمارسه دائرة مراقبة الشركات اليوم ينسجم مع الاختصاصات التي منحها لها قانون الشركات، أم أن بعض الممارسات تجاوزت حدود الرقابة إلى التدخل في إدارة الشركات؟
إن قانون الشركات الأردني منح دائرة مراقبة الشركات صلاحيات رقابية وتنظيمية واضحة، تتمثل في تسجيل الشركات، ومتابعة التزامها بأحكام القانون، وحماية حقوق الشركاء والمساهمين والدائنين، وضمان سلامة الإجراءات القانونية. إلا أن القانون لم يمنحها سلطة إدارة الشركات، أو اتخاذ القرارات التجارية نيابة عن مجالس إداراتها أو هيئاتها العامة.
فالفرق بين الرقابة والإدارة ليس فرقاً شكلياً، بل هو مبدأ قانوني راسخ. فالرقابة تعني التأكد من احترام أحكام القانون، أما الإدارة فهي حق أصيل لأصحاب الشركات ومجالس إداراتها، ولا يجوز لأي جهة إدارية أن تحل محلهم في تقدير ما هو الأصلح لأعمالهم ما دام ذلك لا يخالف القانون.
وفي الآونة الأخيرة، برزت شكاوى متكررة من مستثمرين وشركات تتعلق بوقف معاملات أو تعليقها لفترات طويلة، أو طلب مستندات ومتطلبات لا يجد أصحابها لها سنداً صريحاً في التشريعات النافذة، أو الامتناع عن إنجاز معاملات رغم استكمال متطلباتها القانونية. وإذا ثبتت مثل هذه الممارسات، فإنها تستحق المراجعة، لأن الأصل في القرار الإداري أن يكون مسبباً، ومستنداً إلى نص قانوني، وقابلاً للمراجعة القضائية.
كما يثار تساؤل آخر لا يقل أهمية: هل يجوز فرض رسوم جديدة أو تعديل الرسوم بقرارات إدارية؟
القاعدة الدستورية والقانونية مستقرة؛ فلا يجوز فرض رسم أو تعديل قيمته إلا وفق التشريعات النافذة والإجراءات التي رسمها القانون. فالرسوم ليست وسيلة للجباية، وإنما مقابل خدمة تقدمها الإدارة، وأي تعديل عليها يجب أن يصدر وفق الأصول القانونية، وبما يحقق التوازن بين حق الدولة في تنظيم الخدمات وحق المستثمر في بيئة أعمال مستقرة.
إن استمرار إيقاف معاملات الشركات دون مبررات قانونية واضحة، أو تأخيرها لأشهر، لا ينعكس على الشركة وحدها، بل يمتد أثره إلى الاقتصاد الوطني بأكمله. فكل معاملة تتأخر قد تعني استثماراً يتعطل، أو مشروعاً يتوقف، أو فرص عمل تضيع، أو تمويلاً يُفقد، أو مستثمراً يعيد النظر في قراره بالبقاء أو التوسع في الأردن.
ولا خلاف على أهمية الرقابة، بل إن وجود جهة رقابية قوية ومستقلة هو أحد مقومات الاقتصاد السليم، لكن القوة الحقيقية لا تُقاس بكثرة القيود أو طول الإجراءات، وإنما بقدرتها على تطبيق القانون بعدالة، وإنجاز المعاملات بكفاءة، واحترام حقوق المستثمرين، والالتزام بمبدأ المشروعية.
كما أن الإدارة العامة، وفقاً لمبادئ القانون الإداري، مقيدة بمبدأ سيادة القانون، فلا يجوز لها إضافة شروط لم ينص عليها المشرع، أو الامتناع عن إنجاز معاملة استوفت جميع متطلباتها القانونية، أو استخدام السلطة الإدارية بطريقة تؤدي إلى تعطيل الحقوق أو الانحراف عن الغاية التي منحها القانون من أجلها.
إن الأردن يمتلك منظومة تشريعية متقدمة، ويعمل على تعزيز بيئة الاستثمار، إلا أن نجاح هذه الجهود لا يقاس بالنصوص وحدها، بل بكيفية تطبيقها على أرض الواقع. فالمستثمر يبحث عن وضوح الإجراءات، وسرعة الإنجاز، واستقرار القرارات، قبل أن يبحث عن أي حوافز أخرى.
ولذلك، فإن المرحلة الحالية تستدعي مراجعة شاملة للإجراءات الإدارية داخل دائرة مراقبة الشركات، بما يحقق التوازن بين الرقابة الفاعلة وحرية الاستثمار، ويضمن عدم تحول الجهة الرقابية، ولو دون قصد، إلى جهة تدير الشركات أو تعطل قراراتها.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يستحق إجابة واضحة:
هل المطلوب من دائرة مراقبة الشركات أن تراقب تطبيق القانون، أم أن تدير الشركات بدلاً من أصحابها؟
إن حماية الاقتصاد الوطني تبدأ من احترام حدود الاختصاص، وسيادة القانون، وتعزيز الثقة بين الإدارة والمستثمر، لأن الاستثمار لا يزدهر بالقيود، بل بالعدالة، والشفافية، وسرعة الإنجاز، واستقرار القرار الإداري.






