
962-الإخباري
كتب الدكتور ثامر العبادي
الأردن لا تنقصه الرؤية، ولا تعوزه الأفكار، ولا يحتاج إلى حكومات تأتي كل مرة لتجرب حظها في إدارة الدولة وكأنها تبدأ من نقطة الصفر.
الحقيقة التي يجب أن تقال بوضوح: مشكلتنا ليست في غياب الطريق، بل في كثرة من يتركون الطريق الواضح ويذهبون إلى اجتهادات شخصية، ومبادرات موسمية، واستراتيجيات تولد في المؤتمرات وتموت في الأدراج.
لقد قدّم جلالة الملك، عبر الأوراق النقاشية ورسائل التكليف والخطابات الملكية، خريطة دولة كاملة: دولة قانون، إدارة كفؤة، إصلاح سياسي، اقتصاد منتج، شباب ممكن، ومؤسسات تعمل لا تتفرج.
فلماذا نبحث عن حلول خارج هذه الخريطة؟
لو أن كل وزير جلس في مكتبه وقرأ الأوراق النقاشية كما يجب، ثم ترجمها إلى خطة تنفيذية حقيقية داخل وزارته، لما احتجنا إلى هذا الكم من اللجان، ولا إلى هذه الدائرة الطويلة من الوعود والتبريرات.
الأردن لا يحتاج إلى وزير يجتهد بعيدًا عن الرؤية الملكية، بل إلى وزير يدرك أن مهمته ليست صناعة رؤية جديدة، وإنما تنفيذ رؤية الدولة. فالوزير الناجح ليس من يكثر من التصريحات، بل من يحول التوجيهات الملكية إلى إنجازات يلمسها المواطن في حياته اليومية.
لقد أصبحت مشكلة الحكومات المتعاقبة أنها تتعامل مع الوزارات وكأنها مشاريع شخصية، بينما الدولة تمتلك مشروعًا وطنيًا متكاملًا سبق أن رسمت معالمه القيادة. ومع كل تغيير حكومي تبدأ مرحلة جديدة من إعادة الاكتشاف، وإعادة ترتيب الأولويات، وإعادة تشكيل اللجان، وكأن السنوات الماضية لم تكن.
الأوراق النقاشية ليست وثائق للقراءة أو الاقتباس في المناسبات، بل هي دستور فكري للإدارة الحديثة، يحدد شكل العلاقة بين الدولة والمواطن، ويضع أسس الإصلاح الحقيقي، ويجيب عن معظم الأسئلة التي ما زلنا نناقشها حتى اليوم.
لو تم اعتماد هذه الأوراق مرجعية إلزامية لكل وزارة، وربط تقييم الوزراء بمدى التزامهم بتنفيذها، لتغيرت ثقافة الإدارة العامة بالكامل. عندها لن تكون هناك مشاريع موسمية، ولا قرارات متناقضة، ولا اجتهادات تربك المؤسسات، بل عمل مؤسسي مستمر لا يتغير بتغير الأشخاص.
إن الدولة القوية لا تتبدل وجهتها مع كل حكومة، لأن الرؤية فيها ثابتة، والمتغير الوحيد هو كفاءة من يتولى التنفيذ. أما عندما يصبح كل وزير صاحب مدرسة مختلفة، فإن أول ضحايا هذا المشهد هو المواطن، وآخر ضحاياه ثقة الناس بمؤسساتهم.
الأردن لا يحتاج إلى مزيد من الخطط، ولا إلى استراتيجيات جديدة، ولا إلى شعارات براقة. الأردن يحتاج إلى حكومة تقرأ، وتفهم، وتنفذ، وتؤمن بأن الالتزام بالرؤية الملكية ليس خيارًا سياسيًا، بل واجب وطني.
مشكلتنا لم تكن يومًا في رؤية الدولة… بل في حكومات لم تجعل تلك الرؤية برنامج عمل يوميًا داخل مؤسساتها.
فحين تُقرأ الرؤية بعمق وتُنفذ بإخلاص، يصبح الإصلاح حقيقة، لا وعدًا يتكرر مع كل حكومة.
“الأردن لا يحتاج إلى حكومة تفكر… بل إلى حكومة تنفذ.






