
رئيس التحرير خالد خطار
962الاخباري_ في الدولة الحديثة، لا تُقاس قوة المؤسسات بعدد القوانين والتشريعات التي تمتلكها فحسب، بل بمدى قدرتها على تطبيق مبادئ النزاهة والشفافية، وترسيخ ثقافة المساءلة. ومن أبرز هذه المبادئ مفهوم تعارض المصالح، الذي لا يعني بالضرورة وجود فساد أو مخالفة قانونية، وإنما يمثل حالة قد تؤثر أو يُعتقد أنها تؤثر في حيادية المسؤول أثناء أدائه لمهامه.
وقد أثار طلب رئيس الوزراء من وزير العمل خالد البكار تقديم استقالته نقاشاً واسعاً حول هذا المفهوم، لا سيما بعد توضيحات رئيس ديوان التشريع والرأي السابق نوفان العجارمة، الذي أكد أن الخطوة جاءت في إطار تجنب أي شبهة قد تمس نزاهة العمل الحكومي، وليس لأنها تمثل إدانة أو اتهاماً بحق الوزير.
وهنا تكمن أهمية التمييز بين تعارض المصالح والفساد. فالفساد هو استغلال المنصب لتحقيق منفعة خاصة، أما تعارض المصالح فهو وجود ظرف قد يؤثر في استقلالية القرار، حتى وإن لم يترتب عليه أي مخالفة أو منفعة فعلية. ولهذا تتعامل الدول المتقدمة مع مثل هذه الحالات بمنطق الوقاية قبل العلاج، حفاظاً على ثقة المواطنين بمؤسساتهم.
إن المسؤول العام مطالب بأن يكون بعيداً عن كل ما قد يثير الشبهات، لأن الثقة هي رأس مال المؤسسات. وعندما تتعارض المصلحة الخاصة، أو حتى يُحتمل تعارضها، مع المصلحة العامة، يصبح من الواجب اتخاذ إجراءات تضمن نزاهة القرار وتحافظ على سمعة الدولة وهيبة مؤسساتها.
كما أن الشفافية في توضيح أسباب القرارات الحكومية تمثل ركيزة أساسية في بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، إذ إن غياب المعلومة الدقيقة يفتح الباب أمام الإشاعات والتأويلات، بينما يسهم الوضوح في تعزيز القناعة بأن جميع المسؤولين يخضعون للمعايير ذاتها دون استثناء.
وفي الأردن، الذي يسير في مسار تطوير الإدارة العامة وتعزيز مبادئ الحوكمة الرشيدة، فإن التعامل مع حالات تعارض المصالح بمنهج مؤسسي يمثل خطوة إيجابية نحو ترسيخ ثقافة النزاهة. فالمسؤولية العامة ليست امتيازاً، وإنما أمانة تستوجب تقديم المصلحة الوطنية على أي اعتبار آخر.
إن قوة الدولة لا تظهر عندما تخلو من الأخطاء، بل عندما تمتلك الشجاعة والقدرة على معالجتها وفق القانون والمعايير الأخلاقية. فالمؤسسات التي تحمي نفسها من تضارب المصالح هي مؤسسات تبني ثقة مواطنيها، وتؤسس لمستقبل يقوم على العدالة والشفافية وسيادة القانون، حيث تبقى المصلحة العامة فوق الجميع.






