
رئيس التحرير : خالد خطار
962الاخباري _ البطالة من أخطر التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه أي دولة، لأنها لا ترتبط فقط بالدخل والمعيشة، بل تمتد آثارها إلى الاستقرار النفسي والاجتماعي ومستقبل الأجيال الشابة. وفي الاردن، ومع استمرار ارتفاع معدلات البطالة لتتجاوز 25 بالمائة، بات من الضروري التعامل مع هذه القضية بواقعية ومسؤولية، بعيدًا عن التبريرات التي لا تقنع المواطن ولا تنسجم مع الواقع الذي يراه الجميع يوميًا.
وفي الآونة الأخيرة، تكررت بعض التصريحات التي تُرجع ارتفاع البطالة إلى “عزوف الشباب عن العمل”، وكأن المشكلة تكمن في الشباب أنفسهم لا في ضعف الفرص المتاحة. غير أن هذا الطرح يصطدم بحقائق واضحة لا يمكن تجاهلها.
فشبابنا يعملون في المولات ومحطات الوقود والمطاعم وقطاعات الخدمات المختلفة، ويقبلون بوظائف شاقة ورواتب محدودة بحثًا عن حياة كريمة وفرصة تحفظ لهم مستقبلهم. كما أن مشهد مئات المتقدمين لوظيفة واحدة يتم الإعلان عنها يؤكد بما لا يدع مجالًا للشك أن الشباب يريدون العمل، لكنهم يفتقرون إلى الفرص الحقيقية.
إن اختزال أزمة البطالة في فكرة “العزوف عن العمل” يُعد تبسيطًا مخلًا لمشكلة معقدة لها أسباب اقتصادية وتنموية متعددة. فالسوق يعاني من محدودية الوظائف، وضعف الاستثمار المنتج، وغياب المشاريع الكبرى القادرة على استيعاب أعداد الخريجين والباحثين عن العمل. كما أن هناك فجوة واضحة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل، إضافة إلى تدني الأجور في بعض القطاعات، الأمر الذي يجعل الكثير من الوظائف غير قادرة على توفير الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي.
والمواطن اليوم لا ينتظر خطابات تبريرية بقدر ما ينتظر حلولًا واقعية. فالشباب الأردني يمتلك الطموح والكفاءة والقدرة على الإنجاز، لكنه يحتاج إلى بيئة اقتصادية تفتح أمامه أبواب الأمل، لا أن تُحمّله مسؤولية أزمة لم يكن سببًا فيها. ومن هنا، فإن معالجة البطالة تتطلب خططًا اقتصادية واضحة تقوم على تشجيع الاستثمار، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتطوير التعليم المهني والتقني، وربط مخرجات الجامعات باحتياجات السوق الفعلية.
إن الاعتراف بالمشكلة هو الخطوة الأولى نحو الحل، أما البحث عن مبررات غير منطقية فلن يؤدي إلا إلى زيادة الإحباط وفقدان الثقة. فالشباب الذين يصطفون في طوابير طويلة للحصول على فرصة عمل واحدة لا يمكن وصفهم بأنهم “عازفون عن العمل”، بل هم ضحايا واقع اقتصادي يحتاج إلى مراجعة حقيقية وسياسات أكثر عدالة وإنصافًا.
وفي النهاية، يبقى الشباب هم الثروة الحقيقية لأي وطن، والاستثمار فيهم وتوفير فرص العمل الكريمة لهم ليس ترفًا، بل ضرورة وطنية لضمان مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا للجميع.







