
كتب الدكتور ثامر العبادي
962الاخباري_ كلما تعثرت معاملة، أو تأخر استثمار، أو اصطدم مواطن بعقبة إدارية، سارع البعض إلى إلقاء اللوم على القانون أو النظام أو التعليمات. غير أن الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح هي أن المشكلة في كثير من الأحيان ليست في القانون ذاته، بل في العقلية التي تصنعه وتفسره وتطبقه.
فالقوانين وجدت أصلاً لتنظيم الحياة العامة، وتحقيق العدالة، وحماية الحقوق، وتسهيل الإجراءات، وتحفيز التنمية الاقتصادية. إلا أن هذه الأهداف تفقد قيمتها عندما تُصاغ النصوص بعقلية بيروقراطية تنظر إلى المواطن باعتباره طالب خدمة يجب إخضاعه لسلسلة لا تنتهي من الإجراءات، وإلى المستثمر باعتباره موضع شك أكثر من كونه شريكاً في التنمية.
ويخطئ من يظن أن صناعة التشريع تبدأ عند ديوان التشريع والرأي، فالمشرّع الحقيقي في كثير من الأحيان ليس من يراجع النصوص أو يدققها في مراحلها النهائية، وإنما من يضع المسودة الأولى ويرسم فلسفتها ويحدد اتجاهها ويزرع فيها القيود والاستثناءات والأحكام التي ستنعكس لاحقاً على حياة المواطنين وبيئة الاستثمار والاقتصاد الوطني. فالمسودة الأولى ليست مجرد ورقة عمل، بل هي النواة الحقيقية للتشريع، ومنها تنطلق الفكرة، وتتشكل الغاية، وتتحدد مساحة الحقوق والالتزامات. ولهذا فإن أي خلل في العقلية التي تصنع المسودة الأولى سينتقل بالضرورة إلى النص النهائي مهما تعددت مراحل المراجعة أو تعددت الجهات التي مر بها.
ومن المؤسف أن بعض الجهات التي تشكو اليوم من تعقيد الإجراءات أو بطء الإنجاز هي ذاتها التي شاركت بالأمس في وضع الأنظمة والتعليمات التي أنتجت هذا الواقع. والأكثر إثارة للتساؤل أن الحديث المتكرر عن “تصويب الأوضاع” و”إصلاح التشريعات” و”تطوير الإجراءات” يعود في كثير من الأحيان إلى الجهات والأشخاص أنفسهم الذين وضعوا المسودات السابقة. وهنا يبرز سؤال مشروع لا بد من طرحه: كيف يمكن لمن صنع المشكلة أن يكون وحده صاحب الحل؟ وكيف يمكن أن نتوقع نتائج مختلفة إذا بقيت العقليات ذاتها والمنهجيات ذاتها والأدوات ذاتها؟
إن الإصلاح الحقيقي لا يعني إعادة صياغة المشكلة بلغة جديدة، ولا استبدال نص بآخر يحمل الفلسفة ذاتها. فالإصلاح يبدأ عندما تكون هناك مراجعة حقيقية للنهج الذي أنتج الخلل، ومساءلة موضوعية للآثار التي ترتبت عليه، وإشراك فعلي لأصحاب المصلحة من مواطنين ومستثمرين وخبراء ومؤسسات مجتمع مدني في صناعة القرار التشريعي.
ولعل أكثر ما يثير الإحباط لدى المواطنين والمستثمرين تلك العبارة التي أصبحت جزءاً من الثقافة الإدارية اليومية: “هيك التعليمات” أو “هيك القانون”. وهي عبارة تختصر حالة من الجمود المؤسسي، وكأن التشريعات نصوص مقدسة لا يجوز مراجعتها أو تقييم نتائجها أو الاعتراف بأخطائها. وفي الواقع فإن التشريع الذي لا يخضع للمراجعة والتقييم المستمر يتحول مع مرور الوقت إلى عبء على الدولة قبل أن يكون عبئاً على المواطن.
فالمستثمر لا يخشى القانون العادل، بل يخشى غموض النصوص وتضاربها وكثرة التعليمات وتغيرها المستمر. والمواطن لا يرفض التنظيم، بل يرفض أن يتحول التنظيم إلى متاهة إدارية تستهلك وقته وجهده وموارده دون مبرر. والدولة لا تكسب من تضخم الإجراءات، بل تخسر من تراجع الثقة بمؤسساتها ومن هروب الفرص الاستثمارية إلى بيئات أكثر استقراراً ووضوحاً.
إن الدول المتقدمة لم تنجح لأنها أصدرت قوانين أكثر، بل لأنها تبنت فلسفة تشريعية قائمة على الثقة والكفاءة وتبسيط الإجراءات وتقليل التدخل غير الضروري. أما عندما تصبح التعليمات هدفاً بحد ذاتها، ويتحول الالتزام الحرفي بالإجراء إلى غاية تتقدم على تحقيق المصلحة العامة، فإن التشريع يفقد وظيفته الحقيقية ويتحول إلى عائق بدلاً من أن يكون أداة للحل.
لقد آن الأوان للانتقال من ثقافة “هيك التعليمات” إلى ثقافة “كيف نعالج المشكلة”، ومن عقلية فرض القيود إلى عقلية صناعة الفرص، ومن مفهوم السلطة الإدارية إلى مفهوم الخدمة العامة. فالتشريع الناجح لا يقاس بعدد المواد التي يتضمنها، ولا بعدد الموافقات التي يفرضها، بل بقدرته على تحقيق العدالة وتسهيل حياة الناس وتعزيز الثقة بين المواطن والدولة.
ولهذا يمكن القول بكل وضوح إن المشكلة في كثير من الأحيان ليست في القانون، بل في العقلية التي تكتبه، والعقلية التي تفسره، والعقلية التي تطبقه. فمتى صلحت العقلية صلح التشريع، ومتى بقيت العقلية أسيرة البيروقراطية والخوف من التغيير، فإننا سنبقى ندور في الحلقة ذاتها مهما تغيرت القوانين وتبدلت التعليمات.
فالمشكلة في العقلية لا في القانون






