
الدكتور ثامر العبادي
962الاخباري- أخشى على الدول العربية من انهيار لا يأتي في صورة انهيار
هذه الجملة قد تبدو غريبة، لكنني أعتقد أن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي دولة ليس أن تسقط مؤسساتها أمام أعين الناس، وإنما أن تتغير هذه المؤسسات تدريجياً، وأن تتغير معها طريقة التفكير والاختيار وصناعة القرار، بينما يبقى كل شيء في ظاهره قائماً كما هو.
نحن أمام عالم يتغير بسرعة، ومع هذا التغير تنتقل إلى المنطقة العربية أفكار ومفاهيم ونماذج اجتماعية وسياسية جديدة، بعضها يحمل جوانب إيجابية بلا شك، وبعضها يحتاج إلى نقاش طويل قبل أن يتحول إلى سياسات عامة. المشكلة تبدأ عندما لا تعود الدولة تملك الوقت أو المساحة الكافية لتسأل: ماذا نأخذ؟ وماذا نترك؟ وما الذي يتناسب مع مجتمعاتنا؟ وما الذي قد تكون له نتائج مختلفة عندما ينتقل من بيئة إلى أخرى؟
ومن بين أكثر الملفات حضوراً في هذا التحول ملف المرأة
وأنا هنا لا أتحدث ضد المرأة، ولا أرى أن وجودها في السياسة أو القضاء أو الإدارة أو الأجهزة المختلفة يمثل خطراً بحد ذاته. المرأة العربية أثبتت في مواقع كثيرة قدرتها وكفاءتها، ومن الطبيعي أن تكون شريكاً في الحياة العامة. لكن ما يلفتني هو التحول من تمكين قائم على الكفاءة والاستحقاق إلى تمكين قد يتحول، في بعض الحالات، إلى معيار سياسي واجتماعي مطلوب إثباته باستمرار
وهنا يصبح السؤال أكبر من المرأة نفسها
ماذا يحدث عندما يصبح شكل الدولة جزءاً من صورة مطلوب منها أن تثبتها أمام الخارج؟ وماذا يحدث عندما تصبح بعض المعايير الاجتماعية الدولية وكأنها شروط جاهزة للحكم على مدى تقدم المجتمعات العربية؟ وماذا يحدث عندما تبدأ الدول، بوعي أو من دونه، في إعادة ترتيب مؤسساتها وفق هذه الصورة قبل أن تناقش نتائجها بعيدة المدى؟
قد لا نشعر بالخطر في البداية
بل قد يبدو المشهد إيجابياً. مزيد من المشاركة، مزيد من التغيير، مزيد من الوجوه الجديدة، ومزيد من الإشادة الدولية. لكنني أنظر إلى ما هو أبعد من المشهد الحالي، وأسأل عن العقد القادم، ثم العقد الذي يليه.
ماذا سيحدث إذا أصبح معيار اختيار المسؤول هو مقدار توافقه مع النموذج المطلوب، بدلاً من مقدار كفاءته للموقع؟ ماذا سيحدث إذا أصبحت المناصب الحساسة، السياسية والقضائية والأمنية والاستخبارية وغيرها، جزءاً من معركة إثبات اجتماعي بدلاً من أن تكون قبل كل شيء مواقع تتطلب الخبرة والقدرة والاستقلال وتحمل المسؤولية؟
هنا قد تبدأ المشكلة
ليس لأن الرجل أفضل من المرأة، ولا لأن المرأة أقل قدرة من الرجل، وإنما لأن الدولة التي تستبدل معيار الكفاءة بأي معيار آخر، أياً كان هذا المعيار، تبدأ بإضعاف مؤسساتها من حيث لا تشعر
والأخطر أن هذه العملية لا تحتاج إلى قرار واحد
تحدث بالتراكم
قرار صغير اليوم، وتعديل في المفاهيم غداً، ثم تغيير في معايير الاختيار، ثم إعادة تعريف لما يعتبر تقدماً أو تراجعاً، ثم يصبح الاعتراض على المسار نفسه أمراً صعباً؛ لأن المجتمع يكون قد اعتاد عليه وأصبح الدفاع عنه جزءاً من الخطاب العام
وعندها لا تعود الدولة تستورد أفكاراً فقط، بل تبدأ باستيراد تعريفها لنفسها
وهنا أخشى على الدول العربية
أخشى أن نصل إلى مرحلة تصبح فيها الدولة مشغولة بإظهار أنها تتقدم وفق مقاييس الآخرين، أكثر من انشغالها بالسؤال عن نوع الدولة التي تريد أن تكونها هي
فليس كل ما يأتي من الغرب سيئاً، وليس كل ما يأتي منه صالحاً لنا. وليس المطلوب أن تغلق الدول العربية أبوابها أمام العالم، بل أن تدخل إليه وهي تعرف نفسها، وتعرف ما تريد، وتمتلك القدرة على الانتقاء
الدولة التي تفقد هذه القدرة لا تنهار فوراً
قد تبقى مؤسساتها، وتستمر حكوماتها، وتبقى قوانينها، وتعمل أجهزتها، وتظهر في التقارير الدولية بصورة جيدة، لكن شيئاً أعمق يكون قد بدأ بالتغير: قدرتها على إنتاج نموذجها الخاص واتخاذ قراراتها وفق أولوياتها
وأعتقد أن هذا هو الشكل الذي قد يأخذه الخطر في المستقبل العربي إذا استمر التغيير من دون مراجعة عميقة
لن يكون انهياراً يشاهده الناس في يوم واحد، بل تآكلاً بطيئاً في الثقة والمعايير والاستقلال المؤسسي، حتى يصبح إصلاح المسار أصعب بكثير من منعه في البداية
وربما نكتشف بعد عشرين عاماً أن القضية لم تكن قضية رجل وامرأة أصلاً
كانت القضية أكبر
كانت تتعلق بمن يحدد شكل الدولة، ومن يضع معايير التقدم، ومن يقرر ما الذي يجب أن يتغير، ومن يملك حق القول إن هذا المجتمع أصبح متقدماً أو متأخراً.
وهنا أخشى أن يكون بعض الدول العربية أمام اختبار تاريخي: هل تستطيع أن تتغير دون أن تفقد نفسها؟ وهل تستطيع أن تنفتح على العالم دون أن تصبح نسخة منه؟ وهل تستطيع أن تمنح المرأة والرجل وكل فرد فرصته على أساس الكفاءة والاستحقاق، دون أن تتحول المشاركة إلى مجرد أرقام أو صور مطلوبة لإثبات الالتزام بنموذج معين؟
أنا لا أتنبأ بانهيار قريب، ولا أقول إن هذا المصير حتمي
لكنني أقرأ المشهد وأتساءل عن نهايته إذا استمر بالطريقة نفسها.
قد يأتي يوم لا نسأل فيه: لماذا انهارت الدولة؟
بل نسأل: متى بدأ القرار يبتعد عن المجتمع؟ ومتى أصبحت المعايير الخارجية أقوى من حاجات الداخل؟ ومتى أصبح الحفاظ على الصورة أهم من الحفاظ على المؤسسة؟
فالانهيار الحقيقي، في رأيي، لا يبدأ عندما تسقط الدولة
يبدأ عندما تفقد الدولة قدرتها على أن تختار بنفسها شكل مستقبلها
وهذا هو المستقبل الذي أخشاه على عالمنا العربي.
أن تبقى الدول قائمة بأسمائها وحدودها ومؤسساتها، بينما تكون قد فقدت شيئاً أهم من كل ذلك: القدرة على تعريف نفسها، واختيار طريقها، وصناعة مستقبلها بإرادتها







