
كتب الدكتور ثامر العبادي
962الاخباري_ في السياسة قد تُقاس الإنجازات بالخطب، وفي الاقتصاد بالأرقام، لكن في السياحة تُقاس بالثقة. والثقة لا تُصنع بقرار واحد، بل بسلسلة طويلة من العمل الصامت، والتخطيط، والقدرة على تحويل التحديات إلى فرص. وهذا ما بدأ يلفت الأنظار في أداء وزارة السياحة والآثار خلال الفترة الأخيرة.
منذ تسلم وزير السياحة مهامه، لم يكن المشهد الإقليمي مريحاً. المنطقة تعيش على وقع أزمات متلاحقة، وحروب تلقي بظلالها على حركة السفر، وشركات الطيران، وقرارات السائح قبل أن يحزم حقائبه. وفي مثل هذه الظروف، يكون الخيار الأسهل هو تعليق الإخفاقات على شماعة الجغرافيا والسياسة، لكن ما حدث كان مختلفاً.
بدلاً من إدارة الأزمة، اختارت الوزارة إدارة الفرصة.
تحركٌ ميداني، وحضورٌ دولي، وتكثيفٌ للمشاركة في المعارض السياحية العالمية، وحملات ترويجية أكثر احترافية، وتواصل مباشر مع شركات الطيران ومنظمي الرحلات، إلى جانب العمل على تنشيط السياحة الداخلية، وإعادة تقديم الأردن كوجهة آمنة وغنية بالتجارب الإنسانية والتاريخية.
هذه ليست مجرد عناوين إعلامية، بل مؤشرات على تغيير في أسلوب العمل.
فالوزارة لم تعد تنتظر أن يأتي السائح إلى الأردن، بل ذهبت إليه في الأسواق العالمية، وقدمت صورة حديثة لدولة تمتلك ما هو أكبر من مجرد مواقع أثرية؛ تمتلك قصة، وهوية، واستقراراً، وشعباً يعرف كيف يستقبل ضيفه.
واللافت أن هذا الحراك جاء في وقت كانت فيه العديد من الوجهات السياحية في المنطقة تعاني من تراجع حاد بسبب الظروف السياسية والأمنية. ورغم ذلك، حافظ الأردن على حضوره، واستمر في الدفاع عن مكانته السياحية بعقلية تعتمد على التخطيط لا على ردود الفعل.
قد يختلف الناس في تقييم الوزراء، وهذا أمر طبيعي، لكن ما لا يمكن تجاهله هو أن الأداء يُقاس بالفعل، لا بالانطباعات.
فالعمل الحكومي الحقيقي لا يُبنى على الضجيج الإعلامي، وإنما على قدرة المؤسسة على التحرك بسرعة، واتخاذ القرار، وخلق شراكات جديدة، وإرسال رسالة طمأنينة للعالم بأن الأردن ما يزال وجهة تستحق الزيارة والاستثمار.
والأهم من ذلك، أن السياحة ليست قطاعاً ترفيهياً كما يعتقد البعض، بل هي اقتصاد متكامل. عندما يتحرك القطاع السياحي، تتحرك معه الفنادق، والمطاعم، وشركات النقل، والأدلاء السياحيون، والحرفيون، والأسواق الشعبية، وآلاف الأسر التي يرتبط دخلها بشكل مباشر أو غير مباشر بهذا القطاع.
لذلك، فإن أي نجاح تحققه وزارة السياحة لا يُسجل باسم الوزارة وحدها، بل يُترجم إلى فرص عمل، ودخل وطني، ورسالة ثقة بالاقتصاد الأردني كله.
لا أحد يدّعي أن الطريق أصبح سهلاً، ولا أن التحديات انتهت. فما تزال المنطقة تواجه متغيرات متسارعة، وما يزال القطاع السياحي من أكثر القطاعات حساسية تجاه أي تطور سياسي أو أمني. لكن الفارق الحقيقي يكمن في وجود إدارة تمتلك القدرة على التعامل مع هذه المتغيرات بعقلية المبادرة لا الانتظار.
اليوم، يحتاج الرأي العام أيضاً إلى أن ينظر بعين الإنصاف. فمن حق المواطنين أن ينتقدوا، لكن من واجبهم أيضاً أن يعترفوا بالعمل الجاد عندما يكون موجوداً. فالدولة لا تتقدم بالنقد وحده، بل بتشجيع النماذج الناجحة، لأنها تشكل حافزاً لبقية المؤسسات لتقديم الأفضل.
إن ما نشهده اليوم في وزارة السياحة يستحق المتابعة والدعم، ليس لأنه عملٌ مكتمل، بل لأنه يعكس نهجاً مختلفاً يقوم على الحركة، والانفتاح، والبحث عن النتائج.
وفي زمن أصبحت فيه الأخبار السلبية أكثر انتشاراً من قصص النجاح، ربما يكون من الواجب أن نقول كلمة حق: الأردن، رغم كل ما يحيط به من اضطرابات، ما يزال قادراً على أن يقدم نفسه للعالم بثقة، وما تزال مؤسساته قادرة على الإنجاز عندما تتوفر الإرادة والإدارة.
فالسياحة ليست مجرد زائر يلتقط صورة أمام البتراء أو وادي رم… إنها صورة وطن بأكمله، وكلما نجحت الوزارة في إيصال هذه الصورة إلى العالم، نجح الأردن في تعزيز حضوره، وترسيخ مكانته، وإثبات أن الدول لا تنتصر بظروفها، بل بكفاءة من يديرها






