
تقرير حقوقي – 962 الإخباري
إعداد: د. ثامر العبادي
الناطق الإعلامي الرسمي – Youth for Human Rights International™️
عمّان –
مع بدء تنفيذ إجراءات تصويب أوضاع العمالة غير الأردنية، وبدء وضع إشارات «التسفير» على الأنظمة الرسمية بحق من لم يستكملوا تصويب أوضاعهم، تبرز مجموعة من التساؤلات القانونية والحقوقية حول آلية اتخاذ هذه القرارات، ومدى مراعاة الظروف والمراكز القانونية المختلفة للأشخاص المشمولين بها.
ولا يتعلق النقاش بحق الدولة في تنظيم سوق العمل وتطبيق تشريعاتها؛ فهذا اختصاص أصيل للدولة. وإنما يتعلق بمدى كفاية الإجراءات والضمانات المصاحبة للقرار، خصوصاً عندما تترتب عليه آثار مباشرة على الإقامة والعمل وإمكانية العودة إلى المملكة.
وبحسب ما أعلنته وزارة العمل، فإن قرار قوننة وتوفيق أوضاع العمالة غير الأردنية شمل كافة الجنسيات، وحدد تاريخ 30 أيلول/سبتمبر 2026 لانتهاء فترة التصويب، على أن توضع إشارة «تسفير» اعتباراً من الأول من تشرين الأول/أكتوبر بحق العامل الذي لم يصوب وضعه. كما أعلنت الوزارة أن التسفير قد يترتب عليه عدم السماح للعامل بالعودة إلى المملكة لمدة خمس سنوات.
وفي الإطار التشريعي الأردني، تمنح المادة (12) من قانون العمل وزير العمل صلاحيات تتعلق بتسفير العامل غير الأردني في حالات حددها القانون، من بينها العمل دون تصريح أو لدى صاحب عمل غير المصرح له بالعمل لديه أو في مهنة غير المصرح بها.
لكن اتساع نطاق الإجراءات يثير سؤالاً يستحق البحث: إلى أي مدى تخضع كل حالة لفحص فردي يحدد صفة الشخص ومركزه القانوني وسبب وجوده في المملكة وطبيعة المخالفة المنسوبة إليه؟
فليس كل أجنبي موجود في المملكة بالضرورة عاملاً، كما أن المراكز القانونية للأشخاص قد تختلف بحسب سبب الدخول والإقامة وطبيعة النشاط والتصاريح والوثائق ذات الصلة.
وتكتسب هذه النقطة أهمية إضافية في ضوء إعلان وزارة العمل أن الإجراءات شملت مختلف الجنسيات، وأنها أتاحت في إطار القوننة استخدام عمال غير أردنيين من جنسيات مختلفة ممن دخلوا المملكة في فترات سابقة بغير قصد العمل.
وهنا تبرز الحاجة إلى التحقق من كيفية التعامل مع الحالات التي تختلف فيها صفة الشخص أو سبب وجوده في المملكة عن الحالة التي تستهدفها إجراءات تنظيم العمالة.
فقرار التسفير، أياً كانت صفته القانونية، يمكن أن تكون له آثار تتجاوز مجرد انتهاء علاقة العمل، وقد تمتد إلى الإقامة وإمكانية العودة إلى المملكة وغيرها من المصالح المرتبطة بالمركز القانوني للفرد.
ومن زاوية حقوق الإنسان، تكتسب المادة (13) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية أهمية في هذا السياق. فالأردن طرف في العهد منذ عام 1975، وتنص المادة المذكورة على ضمانات إجرائية تتعلق بإبعاد الأجنبي الموجود بصورة قانونية، من بينها إتاحة فرصة عرض أسباب الاعتراض ومراجعة القضية أمام السلطة المختصة. كما أكدت لجنة حقوق الإنسان أن هذه الضمانات تتصل بفعالية سبل الانتصاف في مواجهة الإبعاد.
ولا يعني ذلك أن القانون الدولي يمنع الدولة من إبعاد من تتوافر بحقه أسباب قانونية للإبعاد، وإنما يطرح معياراً مهماً يتعلق بطريقة اتخاذ القرار والضمانات المتاحة للشخص المعني.
ومن هنا، فإن وجود قوائم أو أنظمة إلكترونية موحدة لا يكفي، بحد ذاته، للإجابة عن سؤال آخر: هل أتيح لكل شخص مشمول بالإجراء أن يعرف سبب إدراجه، وأن يقدم ما لديه من وثائق أو معلومات قد تؤثر في مركزه القانوني، وأن يطلب مراجعة القرار إذا كان يرى أن هناك خطأ في البيانات أو في توصيف حالته؟
اختلاف الجنسيات والمراكز القانونية
شمول الإجراءات لجنسيات متعددة يفتح كذلك باباً مشروعاً للبحث في مدى مراعاة طبيعة العلاقات القانونية والاتفاقيات القائمة بين الأردن والدول المعنية، إلى جانب أي أوضاع خاصة قد تحكم بعض الفئات.
ولا يعني ذلك أن تطبق وزارة العمل قوانين الدول الأخرى داخل الأردن؛ فالأصل أن لكل دولة اختصاصها القانوني. لكن قرارات الإبعاد ذات النطاق الواسع قد تتقاطع، بحسب كل حالة، مع قواعد الإقامة والهجرة، والاتفاقيات الدولية، والالتزامات القنصلية، والاتفاقيات الثنائية، وغيرها من القواعد ذات الصلة.
أما مبدأ المعاملة بالمثل، فلا يصح افتراض انطباقه تلقائياً على جميع الحالات؛ إذ يتوقف مدى الأخذ به على وجود نص اتفاقي أو أساس قانوني محدد وطبيعة العلاقة بين الدولتين. ولذلك فإن أي بحث في هذه المسألة يحتاج إلى مراجعة الاتفاقيات النافذة والأنظمة ذات الصلة قبل الوصول إلى نتيجة.
وهذه النقطة تحديداً تجعل المراجعة القانونية للإجراءات ذات أهمية؛ ليس بهدف تعطيل قرارات التسفير، وإنما للتأكد من أن اختلاف الجنسية أو المركز القانوني أو سبب الإقامة لا يؤدي إلى معالجة واحدة لحالات قد تكون مختلفة في طبيعتها القانونية.
الاعتراض والمراجعة
ومن المسائل التي تستحق مزيداً من الإيضاح أيضاً آلية الاعتراض على قرارات التسفير، ومدى إمكانية تقديم الاعتراض ومراجعته قبل تنفيذ القرار، إضافة إلى طبيعة أي مبالغ مالية ترتبط بإلغاء التسفير أو تصويب الوضع.
وتؤكد وزارة العمل أنها أتاحت خلال فترة القوننة إعفاءات متعددة من رسوم تصاريح العمل وغرامات سابقة، كما أعلنت أن العامل الذي يختار المغادرة النهائية خلال فترة التصويب يمكنه المغادرة دون دفع بعض المبالغ السابقة وفق الشروط المعلنة.
لكن تبقى الحاجة إلى توضيح المسار المتاح لمن ينازع أصلاً في سبب التسفير أو في دقة البيانات المسجلة بحقه، لأن معالجة المخالفة المفترضة تختلف قانونياً عن معالجة حالة يدعي فيها الشخص أن القرار لا ينطبق عليه من الأساس.
وهنا يصبح السؤال عملياً أكثر منه نظرياً:
هل توجد آلية واضحة وسريعة تمكن الشخص من إثبات اختلاف حالته قبل تنفيذ الإبعاد؟
هذه المسألة تستحق الإجابة من الجهات المختصة، ليس فقط لحماية الشخص المعني، وإنما أيضاً لحماية الإدارة نفسها من احتمال وقوع أخطاء في القرارات أو البيانات.
المراجعة لا تعني تعطيل القانون
إن طرح هذه التساؤلات لا يعني الدعوة إلى وقف التسفير، ولا إعفاء المخالفين من أحكام قانون العمل، ولا الانتقاص من حق الدولة في تنظيم سوق العمل.
المقصود هو مراجعة الإجراءات المصاحبة للتسفير، والتأكد من أن كل قرار يستند إلى بيانات دقيقة، وأن صفة الشخص ومركزه القانوني قد جرى التحقق منهما، وأن أسباب القرار واضحة، وأن هناك وسيلة عملية للمراجعة عندما توجد وقائع أو وثائق تستدعي إعادة النظر.
كما أن المراجعة يمكن أن تشمل آلية إعداد قوائم التسفير، ودقة البيانات، والفصل بين العامل وغيره من الأجانب، ودراسة الاختلاف بين الحالات، ومراعاة طبيعة الإقامة والجنسية والمركز القانوني، ووضوح إجراءات الاعتراض.
فإنفاذ القانون لا يتعارض مع حقوق الإنسان، كما أن إخضاع الإجراءات للمراجعة لا يعني إضعاف سلطة الدولة؛ بل قد يسهم في تعزيز مشروعية القرار الإداري وثقة المجتمع بالمؤسسات.
وفي النهاية، فإن السؤال الذي يستحق أن يبقى مطروحاً أمام الجهات المختصة ليس فقط عدد قرارات التسفير التي صدرت، وإنما مدى سلامة الإجراءات التي سبقت كل قرار، ومدى إتاحة فرصة حقيقية لمراجعة الحالات التي يوجد فيها اختلاف حول الوقائع أو المركز القانوني للشخص.
ومن هذا المنطلق، فإن مراجعة إجراءات التسفير الحالية، ولا سيما ما يتعلق بالكشوفات الجماعية وتعدد الجنسيات واختلاف المراكز القانونية، تبدو مسألة جديرة بدراسة قانونية وحقوقية مؤسسية تحقق التوازن بين حق الدولة في إنفاذ قوانينها، وبين الضمانات التي تكفلها سيادة القانون وحقوق الإنسان.
ومن هذا المنطلق، فإن مراجعة إجراءات التسفير الحالية، ولا سيما ما يتعلق بالكشوفات الجماعية وتعدد الجنسيات واختلاف المراكز القانونية، تبدو مسألة جديرة بدراسة قانونية وحقوقية مؤسسية تحقق التوازن بين حق الدولة في إنفاذ قوانينها، وبين الضمانات التي تكفلها سيادة القانون وحقوق الإنسان
د. ثامر العبادي
الناطق الإعلامي الرسمي – Youth for Human Rights International






